المنجي بوسنينة
467
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
في الفقه على وضع شروح وحواش على الكتب القديمة دون اجتهاد وكتابة مؤلفات جديدة فإنّ التّسولي قام بنفس هذا العمل ووضع تصنيفين فقهيين تأثرا بمنهج شيوخه في التأليف . قضى الإمام التّسولي أيامه في التّدريس مشتهرا بفصاحته وقدرته على الإلقاء وجلب انتباه المستمعين ، ومختصا في تدريس الفقه ؛ وكان مجلسه وقفا على التهذيب والرسالة . وبالإضافة إلى التدريس اشتغل مدّة طويلة من حياته في خدمة السّلطان أبي الحسن علي الذي استعمله في كتابة الرسائل . وكان بذلك من المقربين من الحكام ، وقد لامه ابن فرحون لصحبته للسلطان واعتبر أنّ ذلك يمثّل محنة وابتلاء . وقال في ذلك : « امتحن بصحبة السلطان ، فصار يستعمله في الرّسائل ، فانصرف في ذلك حظ كبير من عمره ، لا في راحة دنيا ولا نصيب الآخرة . وهذه سنة اللّه فيمن خدم الملوك ، ملتفتا إلى ما يعطونه ، لا إلى ما يأخذون من عمره وراحته ، لطف اللّه بنا ، وبمن ابتلي بذلك ، وخلصنا خلاصا جميلا » [ ابن فرحون ، الديباج ، 146 ] . أما تلاميذه فلم تسعفنا المصادر بذكر أسمائهم رغم كثرتهم ما عدا أحد الأعلام البارزين في التاريخ ، وهو المؤرخ والأديب البارع لسان الدّين أبي عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن سعيد التلمساني الغرناطي المعروف بابن الخطيب ( ت 776 ه / 1344 م ) [ مخلوف ، الشجرة ، 1 / 230 ، الزركلي ، الأعلام ، 6 / 235 ] . وقد كان ابن الخطيب قد خرج من الأندلس في سنّ متقدمة ودخل إلى مدينة فاس بالمغرب ، وصار أحد أفراد مجلس السلطان المريني . ولم يكن شغله السياسي داخل القصر ليحول دون توجّهه إلى مجلس الإمام التّسولي وحضور دروسه . وتحدّث ابن الخطيب عن شيخه في كتابه المسمّى عائد الصلة قائلا : « الشيخ الفقيه ، الحافظ القاضي ، من صدور المغرب ، له مشاركة في العلم ، وتبحّر في الفقه ، كان وجيها عند الملوك ، استعمل في السّفارة ، وكان حسن العهد ، مليح المجالس ، كريم الطّبع » [ نقله ابن فرحون عن ابن الخطيب في الدّيباج ، 146 ] . مرض التّسولي في آخر حياته ، وحدّثنا عن ذلك الفقيه ابن مرزوق ( ت 781 ه / 1397 م ) عرضا في كتابه المسند الصحيح الحسن في مآثر مولانا أبي الحسن . وقال إنّه من بين الذين اختارهم السلطان أبو الحسن المريني لمرافقته في حملته على إفريقية مع مجموعة من الفقهاء المغاربة البارزين . إلا أنّه مرض في الطريق وأصيب بالفالج واعتقد النّاس قرب موته حتى أمر السلطان بإرجاعه إلى فاس . وبعد مدّة تحسّنت حاله دون أن يسترجع كامل صحّته إذ فقد القدرة على استعمال يده اليمنى في الكتابة . وأخبرنا الفقيه ابن مرزوق أنّه اتّصل منه برسالة كتبها بشماله وحدّثه فيها أنّه توجّه إلى الراحة وتحسّنت حالته الصحية . وأعلم ابن مرزوق السلطان المريني بتحسن حالة إبراهيم ابن أبي يحيى ( التّسولي ) مما يفيد مكانته في البلاط المريني [ ماريا خيسوس فيغيرا ، « أخبار إفريقية » في « المسند » لابن مرزوق ، الكراسات التونسية ، عدد 103 - 104 ، 1978 ، 61 - 87 ] . وأكمل الإمام التّسولي حياته في فاس ولازم منزله بسبب المرض الذي أصابه .